الواحدي النيسابوري
مقدمة 28
الوسيط في تفسير القرآن المجيد
واستدل بما روى عن مالك بن أنس حيث قال : « لا أوتى برجل غير عالم بلغات العرب يفسّر كتاب اللّه إلا جعلته نكالا » وعلّق عليه بقوله : « وكيف يتأنّى لمن جهل لسان العرب أن يعرف تفسير كتاب جعل معجزة - في فصاحة ألفاظه ، وبعد أغراضه لسيد المرسلين ؟ وإن مثل من طلب ذلك مثل من شهد الهيجا بلا سلاح ، ورام أن يصعد الهواء بغير جناح . ثم وإن طال تأمله مصنفات المفسرين ، وتتبعه أقوال أهل التفسير من المتقدمين والمتأخرين ، فوقف على معاني ما أودعوه كتبهم ، وعرف ألفاظهم التي عبّروا بها عن معاني القرآن - لم يكن إلا تابعا لهم فيما حكوه ، وعارفا معاني قول مجاهد ومقاتل وقتادة والسدّى وغيرهم ، دون معنى قول اللّه » . وهذا دقة في القول ، وثقة في الرأي . ثم تحدّث الواحدي ، عن طبقات المصنفين ، وأبان أن التابعين لم يتصنعوا في جمع ما جمعوا ، ولم يتكلّفوا في تتبع الخبايا من الزوايا ، وأن أرباب المعاني اقتصروا على الإعراب ، وأنه قلّ من المتأخرين - على اختلاف أغراضهم ومراتبهم - من تراه يعنى بسوق اللفظ على التفسير ، وإفراغه في قوالب المعاني ؛ حتى يأتي به متسقا من غير ترجيح ، ومطردا من غير تخاذل . ثم يصف كتابه ، ويشرح منهجه ، ويبين أنه لا سبيل إلى نهاية القول في تفسير القرآن ، وأنه لذلك قد اعتزم إردافه بكتاب آخر أنضج منه - إن طال عمره - وذلك قوله : « وقد استخرت اللّه العظيم في جمع كتاب أرجو أن يمدّنى اللّه فيه - بتوفيقه ، وحسن تيسيره ، حتى أبرزه كالقمر إنجاب سحابة ، والزلال صفا متنه واطّرد حبابه ، يؤدّى إلى المتأمّل نضرة الكلم العذاب ، ورونق الذهب المذاب ، سالكا نهج الإعجاز في الإيجاز ، مشتملا على ما نقمت على غيرى إهماله ، ونعيت عليه إغفاله ، خاليا عما يكسب المستفيد ملالة ، ويتصور عند التصفّح إطالة . لا يدع لمن تأمله حارّة في صدره ، حتى يخرجه من ظلمات الريب والتخمين ، إلى نور العلم وثلج اليقين . هذا بعد أن يكون المتأمل مرتاضا في صنعة الأدب والنحو ، مهتديا بطرق الحجاج قارحا